أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

260

التوحيد

وأيضا أن الحدود في الدنيا جعلن كفّارات لما يرتكب من الذنوب ، فلو لم يكن فيها تكفير كانت تكون زيادات على عقوبات الكفر ، ومحال أن يزداد عقوبة ما دون الكفر ، فثبت أنها كفارات ، ولا كفارة للكفر في الدنيا ، ثبت أنه لا يحتمل في العقوبة فجعلت عقوبته أبدية وعقوبة غيره بحد ، فكذلك العقوبة الموعودة فيه ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه جل ثناؤه أخبر أن الموعودة عقوبة الذين كفروا وأضلوا غيرهم ضعف عقوبة من كفر ولم يضل غيره ، ثم لو كان للكافر عقوبة غير الإضلال مثل عقوبة الإضلال لكان كل كافر عقوبته مضاعفة ؛ لأنه لا كافر إلا ومعه - سوى الكفر - كبائر ، وقد خص اللّه بالمضاعفة المضلين بقوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت : 13 ] ، وقول الأتباع : رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا [ الأعراف : 38 ] ، وجعل لكل ضعفا ، فبطل أن يكون ذلك عقوبة الكبيرة ، بل هي لو كانت في الكفر كان أحق للضعف منه في الإسلام للمثل ، ألا ترى أنه يعاقب الكافر بجميع الآثام من صغائر وكبائر ، ولا كذلك أمر من اعتقد دين الإسلام ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الوجه الآخر من طريق الاعتبار أن الكفر مذهب يعقد ، والمذاهب تعقد للأبد ، فعلى ذلك عقوبته ، وسائر الكبائر يفعل للأوقات ، وهو عند غلبة الشهوات لا للأبد ، فعلى ذلك عقوبتها ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن الكفر قبيح لعينه ، لا يحتمل الإطلاق ورفع الحرمة ، فعلى ذلك عقوبته في الحكمة لا يحتمل الارتفاع والعفو عنه ، وسائر المأثم جائز رفع الحرمة عنها في العقل وإباحة ما له العقوبة ، فمثله عقوبته ، واللّه الموفق . والثالث أن العفو عن الكافر عفو في غير موضع العفو ؛ لأنه منكر المنعم ويرى ذلك حقا ، فيكون في ذلك تضييع العفو وإبطال النعمة ، ولا كذلك أمر سائر المأثم ، بل يعرف صاحبها المنعم ، فله أعظم الموضع ، ولإكرامه أبين المحل ، فجائز المغفرة له والعفو عنه في الحكمة ، وباللّه المعونة . والرابع أن يكون اللّه تعالى قد أحسن إليه في الدين في الوقت الذي خفاه هو بفعله في أن جعل حقه أعظم في قلبه من الدارين وأنبيائه ورسله أجل في صدره من أن يحتمل نفسه الاستحقاق بشعرة من شعورهم أو الاستهانة بشيء من أمور دين اللّه أو الركون إلى أحد من أعدائه فيما قد اختاره وآثره من الخلان للّه ، وكل ذلك هو إحسان اللّه إليه وإنعامه عليه ، فلا يحتمل أن يضيع مننه ويغير نعمه بجفوة يعلم أن قدرها من الذنوب لا يبلغ حرفا مما لا يحصى من نعمه عليه وإحسانه إليه ، وهو يؤمّن خلقه بأن لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وأن يضيع جميع ما أكرمهم به فمثل الذي ذكر ، وقد أنطق لسان رسوله أنه يدخل الجنة إلا من أبى ذلك ، ويجمع بين